السيد محمد تقي المدرسي

16

من هدى القرآن

[ 5 ] بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ فبعزته يأخذ الكافرين ، وبرحمته يفتح للمؤمنين . [ 6 ] لا شيء يحدد أو يعجز إرادة الرب العزيز المقتدر ، وكل شيء مستجيب طوعا أو كرها لمشيئته التي لا ترد ، ولكن ذلك لا يعني أنه سبحانه يريد شيئا بلا حكمة أو يخلف وعدا أو ينقض عهدا ، كلا . . لقد وعد عباده الصالحين النصر ، وهو لا يخلف وعده أبدا بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ وإنما يخلف العاجز أو الجاهل ، وربنا عزيز عليم وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ فتراهم يركنون إلى الظالمين خشية بطشهم ، ولا يأوون إلى ركن الحق الذي وعد الله بنصره . [ 7 ] أكثر الناس لا يعلمون حقيقة الدنيا ، لأنهم : يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنْ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنْ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ فهم غافلون عن عواقب الأمور ، وإنما يرون ظاهر الأمور ، ومن العواقب التي يغفلون عنها النشور . إن الآخرة هي غيب الدنيا ، والدنيا منطوية عليها ، ولكن أكثر الناس ينظرون إلى هذا الظاهر المشهود دون ذلك الغيب . إنهم ينظرون إلى سلطة الجبابرة ولا يعلمون أن سنة الله ( التي يسمونها بلغتهم المادية قانون الطبيعة ) تقتضي زوال الظلم ، لأنه باطل ، ولأن المظلوم ينتفض ضده . ولأن صراع الظالمين كفيل بالقضاء عليهم . وإن سنن الله تجري ولكن عبر مسيرة الزمن ، فكما أن من يزرع القمح سوف يحصده بعد مدة ، كذلك من يزرع الظلم سوف يحصد الانقلاب ، ولكن بعد مدة أيضا . وهذه هي حقيقة الجزاء التي تتجلى جزئيا في عواقب الأمور في الدنيا ، بينما تتجلى في الآخرة بصورة تامة ، حيث يجزى المرء على أعماله هنالك الجزاء الأوفى . ولعل كلمة الآخرة هنا تدل على عاقبة الأمر سواء قبل الموت أو بعده ، حيث فسرها البعض بالعاقبة في الدنيا ، بينما الكلمة تطلق عادة على ما بعد الموت ، وإنما نستوحي من الكلمة هذا المعنى الشامل لأن الدنيا والآخرة في منطق القرآن - حسب ما يبدو لي - لا تنفصلان ، إنما هما حقيقة واحدة تنكشف لذوي الأبصار في الدنيا ، ولا تنكشف لغيرهم إلا بعد الموت . [ 8 ] أو لا ينظرون إلى أن بناء وتنظيم الحياة قائم على أساس الحق ، والأجل ؟ . فالزمن جزء من الكون ، لأن الكون متغير ، والتغير جزء من الكون ، والزمن جزء من التغير أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ